خدمات عبر الانترنت

كلمة السيد مراد زمالي بمناسبة الملتقى الأول بين الأطباء الواصفين والاطباء المستشارين للصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الاجراء

بسم الله الرحمان الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

– زميلي معالي السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي،
– زميلي معالي وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات،
– السيدات والسادة الأساتذة والخبراء والأطباء،
– أسرة قطاع الضمان الاجتماعي من إطارات وموظفين،
– أسرة الإعلام والصحافة،
– السيدات والسادة الضيوف،
– السيدات والسادة الحضور الكريم.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أود في البداية أن أُعبّــر لكم عن بالغ سعادتي للتواجد بينكم بمناسبة افتتاح أشغال الملتقى الأول بين الأطباء الواصفين والاطباء المستشارين للصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الاجراء.

كما أتوجه بخالص تحياتي إلى السيد رئيس المجلس الوطني لعمادة الاطباء الجزائريين ورؤساء الجمعيات العلمية، وكافة المشاركين الذين شرفونا بحضورهم معنا.

إن هذا اللقاء يأتي في إطار حرصنا على توسيع التشاور مع كافة الشركاء المتدخلين في منظومة الضمان الاجتماعي، ومنهم مهنيــو الصحة (Les professionnels de la santé) شركاء الضمان الاجتماعي بخصوص التأمين على المرض.

السيدات والسادة، أيها الحضور الكرام،
أودّ في مستهـــل كلمتي أن أُؤكّــــد على أهمية منظومة الضمان الاجتماعي على الصعيد العالمي، من حيث أنها تعتبر إحدى أهمّ آليات التضامن والتنمية البشرية، ضمن مسعى الحكومات والدول في مكافحة الفقر وتوفير وتحسين الرعاية الصحية وتعزيز التضامن بين الأجيال وإحقاق المساواة بين الفئات الاجتماعية.

بالنسبة لبلادنا، فإن مسار بناء وتطوير وتعزيز منظومة الضمان الاجتماعي، لا يُمثّــل مجرّد هدف ضمن مخطط عمل السلطات العمومية في هذا المجال، بل ينبع من اعتقاد راسخ وخيار يستجيب للتطلعات الاجتماعية للمجتمع وللدولة الجزائرية.

في ذات الصدد، ينبغي التذكير أيضا بأن المنظومة الوطنية للضمان الاجتماعي هي منظومة قائمة على أساس التضامن بين أفراد الجيل الواحد وما بين الأجيال، وتعمل وفق آلية لتوزيع وتقاسم الأعباء، وهي تُغطي كافة الفروع المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

فالموارد القادمة من اشتراكات العمال والمستخدمين لا تنحصر وجهتها في تمويل التأمينات الاجتماعية التي تتعلق بالمرض والأمومة والعجز والوفاة، بل إنها تغطي كذلك تعويضات أخرى كالتأمين على حوادث العمل والأمراض المهنية والتقاعد، والتأمين عن البطالة.

واسمحوا لي الآن أن أقدم لكم بعض الأرقام، لأن لغة الأرقام تغنينا أحيانا عن الكثير من التحاليل، وتمثل في حدّ ذاتها أفضل إجابة على بعض التساؤلات وعلى تلك الأصوات التي لا تحسن سوى لغة التيئيس والنقد السلبي.

إن هذه المنظومة، تضمن حاليا تغطية اجتماعية واسعة لأكثر من 39 مليون جزائري، كما تُـغطي الفئات الأخرى، لاسيما من المعــوزين وذوي الاحتياجات الخاصة، بفضل مساهمة الدولة، وتسمح لأكثر من 3,2 مليون شخص الاستفادة من مزايا التقاعد.

كما تم إطلاق نظام الدفع من قبل الغير (tires payant) بواسطة بطاقة “الشفاء”، حيث انتقل من 800.000 مستفيد سنة 2001 (المتقاعدين، والمعطوبين وبعض الفئات ذات الدخل المحدود) ، إلى أكثر من 38.000.000 مستفيد سنة 2018.

وبغرض تسهيل حصولهم على الأدوية، تم التعاقد في إطار هذا النظام مع 11.241 صيدلية إلى سنة 2018، مقابل 07 صيدليات فقط سنة 1999.

كما أن قائمة الأدوية القابلة للتعويض يتم تحيينها بانتظام بموجب قرار وزاري مشترك، حيث أن عدد المواد المعوّضة انتقل خلال الفترة 2000-2017 من 897 تسمية دولية مشتركة (dénomination commune internationale- DCI))، وهو ما يعادل 2100 علامة تجارية، قلت انتقل إلى أكثر من 1200 تسمية دولية مشتركة، ما يعادل 4300 علامة تجارية، أي أكثر من الضعف لعدد الأدوية الذي توصي به منظمة الصحة العالمية ضمن القائمة النموذجية للأدوية الأساسية.

وتمثّـــل نفقات تعويض الأدوية، حاليا، الحساب الأول (Premier poste de dépense) في نفقات التأمين على المرض، بمقدار انتقل من 20 مليار د.ج سنة 2000 ، إلى 212 مليار دج سنة 2017 .

كما يساهم الضمان الاجتماعي في تمويل المؤسسات العمومية للصحة، وذلك من خلال مساهمة جزافية في ميزانية المستشفيات أو “جزافي المستشفيات” (forfait hôpitaux) والذي يحدد مبلغه سنويا بموجب قانون المالية، بلغ خلال السنة الجارية 80 مليار دج، مقابل 57,81 مليار د.ج سنة 2014.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ نظام الدفع من قبل الغير يعفي المؤمن من تقديم مصاريف علاجه لبعض مقدمي العلاج و لبعض مصالح الخدمات الصحية التابعة للقطاع الخاص، المتعاقدة مع الضمان الاجتماعي، مثل مراكز تصفية الدم (hémodialyse) وجراحة القلب، والنقل الصحي، والتجهيزات الطبية، إلى جانب الفحوص والأعمال الطبية بالنسبة للمتقاعدين، والنظارات الطبية بالنسبة للأطفال المتمدرسين أو ما قبل سن التمدرس.

وعلى سبيل المثال، فإن عدد عيادات تصفية الدم المتعاقدة، انتقل من 04 سنة 2000، إلى 181 سنة 2018، وفاتورة فاقت 10 ملايير دج سنة 2017، مقابل 8.8 مليار دج سنة 2016.

كما أن عدد العيادات المتخصصة في جراحة القلب المتعاقدة، انتقل من عيادة واحدة في سنة 1999، إلى 19 عيادة في سنة 2018، تتكفل بأكثر من 6.000 مريض، بتكلفة بلغت أزيد من 3.3 مليار دج سنة 2017.

بفضل هذه الإجراءات والتدابير، يمكن أن نفتخر اليوم بأن الجزائر تعتبر من البلدان الرائدة عربيا وإفريقيا في هذا المجال، بشهادة المنظمات الإقليمية والعالمية وعلى رأسها المنظمة الدولية للعمل.

مع ذلك، ينبغي ألاّ نتوقف عند هذه الإنجازات، بل يتوجب علينا الاستمرار على هذه الوتيرة ومضاعفة الجهود، حيث تنتظرنا العديد من التحديات في الآجال القريبة. يتمــثّــل أهمها في تلبية تطلعات المواطنات والمواطنين الذين ينتظرون منّــا المزيد وأصبحوا مُتطلّبين أكثر، فيما يتعلق بالتكفل بانشغالاتهم وبنوعية الخدمات وسرعة أدائها.

أيتها السيدات، أيها السادة،
في هذا الصدد بالذات، لا يخـفى عليكم أن المنظومة الوطنية للتأمينات الاجتماعية والتقاعد، تعرف صعوبات مالية مرتبطة بعدة عوامل، اجتماعية واقتصادية وديموغرافية ومعيارية، ناجمة أساسا عن سخاء هذه المنظومة التي تـقـدم – كما سبق لي ذكره – طيفا واسعا من الأداءات لفائدة عدد كبير من المستفيدين، حتى من بين أولئك الذين لا يساهمون فيها بشكل مباشر.

لا بد من الإشارة أيضا أنّ اختلال التوازنات المالية للمنظومة الوطنية للضمان الاجتماعي (وهو الاختلال الذي تــولّــد عن العجز الكبير والمتزايد لفرع التقاعد) كان دائما محل اهتمام الحكومة التي أخضعت هذا الملف الحساس للتشاور في إطار اجتماعات الثلاثية.

وقد وضعت الحكومة خلال العشرية الأخيرة، برنامجا لإصلاح وعصرنة منظومة الضمان الاجتماعي يستهدف عدة محاور، خاصة منها المحافظة على توازناتها المالية من أجل ضمان ديمومتها وعصرنتها وتكييفها مع التطورات التي تشهدها البلاد.

أشير أيضا إلى أن مسألة التوازنات المالية لمنظومات الضمان الاجتماعي تمثل حاليا إحدى أهم انشغالات الدول والحكومات عبر العالم، حيث يتمثل أكبر تحدّي تواجهه هذه المنظومات في ضمان ديمومتها بالحفاظ على توازناتها المالية، وفي نفس الوقت تأمين تغطية اجتماعية تستجيب لحاجيات المؤمّنين.

ينبغي التأكيد في هذا المقام، على أن الأمر لا يتعلق بالسلطات العمومية لوحدها، ذلك أنّ المسؤولية تقع على عاتقنا جميعا؛ فنحن مستأمنون على اشتراكات أجيال من العاملات والعمّال، كما أننا مستأمنون أيضا على ضمان شروط مستقبل أفضل للأجيال المقبلة على التقاعد.

وفي هذا الإطار يتوجب اتخاذ كامل التدابير والإجراءات واستنفاذ الجهد من أجل ترشيد النفقات وتوسيع وعاء الاشتراكات وتنويعها، مع تحسين الخدمات في آن واحد.
السيدات والسادة، أيها الحضور الكريم،
ضمن هذه الرؤية، تتضح الأهمية الكبيرة التي يكتسيها هذا اللقاء الأول من نوعه.

فنحن ننتظر من مهنيي الصحة أن يكونوا شركاء للضمان الاجتماعي، من أجل تحسين التكفل الطبي للمؤمن له اجتماعيا، وشركاء أيضا في سياسة ترشيد نفقات الصحة دون المساس بحق المؤمن لهم اجتماعيا (Les assurés) في الحماية الاجتماعية وبنوعية العلاج المقدم لهم.

فضلا عن ذلك، فإننا نهدف إلى تفادي التجاوزات في استهلاك العلاجات والأدوية وفي العطل المرضية والتعويضات المترتبة عنها.

أشير في هذا الإطار إلى أنّ عدد الوصفات الطبية (ordonnances) التي تم تعويضها من طرف الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الأجراء (CNAS) سنة 2017، بلغ أكثر من64.750.000 وصفة.

كما فاق عدد التعويضات اليومية الناتجة عن العطل المرضية (les indemnités journalières)، أكثر من 14.390.000 خلال سنة 2017، بتكلفة تجاوزت 16.8 مليار دج.

تشير هذه الأرقام – وبوضوح – إلى وجود تجاوزات وإفراط كبير في استعمال هذا الحق من طرف المؤمن لهم اجتماعيا.

وعليه يتوجب علينا أن نعمل معا من أجل تعزيز التشاور ما بين الأطباء المستشارين (les médecins conseil) التابعين لهيئات الضمان الاجتماعي والأطباء المعالجين لتطوير الوقاية وترقية نوعية العلاج لفائدة المريض وترشيد النفقات في آن واحد.

ذلك أننا نفضّــل ونودّ تطوير مقاربة تقوم التشاور والشراكة إلى جانب الرقابة الطبية.

فكما لا يخفى عليكم ، حرية الوصف (la prescription) المنصوص عليها في قانون أخلاقيات الطب هي مؤطرة بأحكام تتعلق بحماية المريض ونوعية العلاج وترشيد النفقات وفقا للمعطيات العلمية والطبية الحالية والمحيّــنة (actuelles et actualisées) والمتفق عليها وانطلاقا من هذا المبدأ يمكن تأسيس التشاور بين الأطباء المستشارين والأطباء المعالجين الذي ذكرته آنفا، وكذا تسهيل الرقابة الطبية لصناديق الضمان الاجتماعي باحترام قواعد أخلاقيات الطب.

من أكبر الورشات التي تنظرنا في هذا الصدد، تشجيع وتطوير صيغة الطبيب المعالج الذي يطبق حاليا على المتقاعدين وأعضاء أسرهم، تحسبا لتطويره بالتشاور الوثيق مع الشركاء المعنيين، بما يسمح بتأسيس شراكة بين الأطباء والضمان الاجتماعي، من أجل تطوير الجوانب المتعلقة بالوقاية ونوعية الخدمات وترشيد نفقات الصحة.

حيث سيتيح تعميم صيغة طبيب العائلة أو الطبيب المعالج التكفل الأمثل بالمريض وترشيد النفقات، بفضل العلاقات الوطيدة ما بين الضمان الاجتماعي والأطباء من خلال جهاز تعاقدي يتضمن خاصة الجانب المتعلق بالوقاية ووصف العلاجات الصحية حسب المعايير والإجماع الطبي (Consensus médical). وبالتالي تفادي التجاوزات والتبذير في استهلاك الأدوية والعلاجات الطبية المتكررة أو وتكرار نفس العلاجات.

على صعيد آخر، فإننا ننشد من خلال تعزيز الشراكة ما بين الضمان الاجتماعي ومهنيي الصحة، تحقيق المزيد من الوقاية والتوعية للمواطنات والمواطنين خاصة أولئك الذين يعانون من الأمراض الخطيرة والمزمنة أو الأكثر عرضة لها (malades à hauts risques).

إذ لا يخفى عليكم، وأنتم الخبراء في المجال، أنّ الأمر لا يتعلق باستهلاك الدواء حصرا بقدر ما يتعلق بالوقاية المبكرة من التعرض لبعض الأمراض المزمنة أو تعقد وتفاقم الحالات المرضية البسيطة وتحوّلها إلى حالات مستعصية بسبب سوء المتابعة ونمط الحياة اليومي (Hygiène de vie).

ومن ذلك الكشف المبكر عن بعض الأمراض الخطيرة مثل السرطان وسرطان الثدي عند النساء الأكثر عرضة (à haut risque ) ومرض السكري وغيرها.

إنكم تعلمون مثلا بأن الكشف عن مرض السكري في مرحلة مبكرة (stade précoce) والتعامل معه بإيجابية بفضل توعية المريض حول نظام التغذية ونظام الحياة أو نمط التغذية وممارسة الأنشطة الرياضية، إضافة إلى المتابعة الطبية المنتظمة، كل ذلك يسمح بتفادي تفاقم المرض الذي له آثار وخيمة بداية على المريض نفسه بحيث تنعكس على أعضاء أخرى حيوية مثل القلب والعين والكلى .. ناهيك عن حاجته إلى علاجات صحية وأدوية باهضة كان من الممكن تفاديها بالتوعية والمتابعة المنتظمة للمريض.

لا بدّ أن أشير أيضا إلى الدور الفعال الذي يلعبه البحث العلمي، كأحد أهم الآليات الإصلاحية التي تساهم بقدر وافر في اقتصاد الصحة وتشريع الضمان الاجتماعي، وإيجاد أساليب جديدة مبتكرة للتكفل الصحي الأمثل وبتكاليف معقولة.

أيتها السيدات، أيها السادة،
اسمحوا لي في ختام كلمتي أن أتوّه إلى إطارات قطاع الضمان الاجتماعي.

فالمشاريع والورشات التي ذكرت أهمها في معرض كلمتي، لا يمكن مواجهة عبئ تجسيدها في الميدان إلاّ من خلال التحكم في تسيير الهياكل والمصالح الإدارية، وعلى الخصوص الحرص على تطوير منظومة معلومات وقاعدة بيانات قوية ودقيقة.

لن يكون ذلك ممكنا دون مواصلة عملية تأهيل الموارد البشرية التي تشكّــل رأس المال الحقيقي، وذلك من خلال التكوين و التدريب، لاسيما، في مجال التحكم في تكنولوجيا الإعلام الحديثة ومهارات الاتصال الفعّال، من أجل الوصول إلى بناء علاقات ثقة وتعاون مع المؤمن لهم اجتماعيا ومع مختلف الشركاء في إطار علاقاتهم اليومية مع المصالح المكلفة بالأداءات وتلك القائمة على المراقبة الطبية. ما سيسمح بتحقيق العديد من الأهداف، أخص بالذكر الارتقاء بمفهوم المراقبة الطبية (Contrôle médical) نحو تجسيد مفهوم الاستشارة الطبية (Conseil médical).

في ذات السياق، يتوجّب عليكم تكثيف جهود الإعلام والتحسيس لإقناع المزيد من المواطنين بأن الاشتراك في الضمان الاجتماعي يعود بالفائدة أولا عليهم، ويمثّـــل احتياطا أكيدا أمام ما قد تصرّفه لهم الأقدار مستقبلا.

في الأخير ، أجدد دعوتي إلى شركائنا من مهنيي الصحة للتعاون مع مصالح صناديق الاجتماعي من أجل الحفاظ على منظومة الضمان الاجتماعي التي تعد مكسبا لكل الجزائريين ومكسبا أيضا للأطباء الجزائريين.

قلت في بداية كلمتي أن الحلول لا يمكن أن تكون أحادية و لا من جانب واحد، وعليه أدعوكم إلى مناقشة هذا الموضوع وإثرائه بما يتيح لنا الحصول على توصيات تنير قرارنا في المستقبل .

ذلك أنّ هذا الاجتماع الأول من نوعه ينبغي أن يكون مناسبة لنقاش صريح حول كل ما هو معاين في مجال الوصف الطبي وأثره على نفقات الضمان الاجتماعي.
أرجو لكم التوفيق في أشغالكم

شكرا على كرم الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.



وسائل الاعلام الاجتماعية

وزارة العمل و التشغيل و الضمان الاجتماعي
الصفحة الرسمية

يوتيوب